أبي حيان الأندلسي

451

البحر المحيط في التفسير

أهل مكة دعوه إلى أن يرجع إلى دينهم ، ويعطوه شطر أموالهم ، ويزوجه شيبة بن ربيعة بنته ؛ وخوفه منافقو المدينة أنهم يقتلونه إن لم يرجع ، فنزلت . ومناسبة أول هذه السورة لآخر ما قبلها واضحة ، وهو أنه حكى أنهم يستعجلون الفتح ، وهو الفصل بينهم ، وأخبر تعالى أنه يوم الفتح لا ينفعهم إيمانهم ، فأمره في أول هذه السورة بتقوى اللّه ، ونهاه عن طاعة الكفار والمنافقين فيما أرادوا به . إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً : عليما بالصواب من الخطأ ، والمصلحة من المفسدة ؛ حكيما لا يضع الأشياء إلا مواضعها منوطة بالحكمة ؛ أو عليما حيث أمر بتقواه ، وأنها تكون عن صميم القلب ، حكيما حيث نهى عن طاعة الكفار والمنافقين . وقيل : هي تسلية للرسول ، أي عليما بمن يتقي ، حكيما في هدي من شاء وإضلال من شاء . ثم أمره باتباع ما أوحى إليه ، وهو القرآن ، والاقتصار عليه ، وترك مراسيم الجاهلية . وقرأ أبو عمرو : بما يعملون ، الأولى والثانية بياء الغيبة ؛ وباقي السبعة : بتاء الخطاب ، فجاز في الأولى أن يكون من باب الالتفات ، وجاز أن يكون مناسبا لقوله : وَاتَّبِعْ ، ثم أمره بتفويض أمره إلى اللّه . وتقدم الكلام في كَفى بِاللَّهِ في أول ما وقع في القرآن . روي أنه كان في بني فهر رجل فيهم يقال له : أبو معمر جميل بن أسد ، وقيل : حميد بن معمر بن حبيب بن وهب بن حارثة بن جمح ، وفيه يقول الشاعر : وكيف ثوائي بالمدينة بعد ما * قضى وطرا منها جميل بن معمر يدعي أن له قلبين ، ويقال له : ذو القلبين ، وكان يقول : أنا أذكى من محمد وأفهم ؛ فلما بلغته هزيمة بدر طاش لبه وحدث أبا سفيان بن حرب بحديث كالمختل ، فنزلت . وقال الحسن : هم جماعة ، يقول الواحد منهم : نفس تأمرني ونفس تنهاني . وقيل : إن بعض المنافقين قال إن محمدا له قلبان ، لأنه ربما كان في شيء ، فنزع في غيره نزعة ثم عاد إلى شأنه ، فنفى اللّه ذلك عنه وعن كل أحد . قيل : وجه نظم هذه الآية بما قبلها ، أنه تعالى لما أمر بالتقوى ، كان من حقها أن لا يكون في القلب تقوى غير اللّه ، فإن المرء ليس له قلبان يتقي بأحدهما اللّه وبالآخر غيره ، وهو لا يتقي غيره إلا بصرف القلب عن جهة اللّه إلى غيره ، ولا يليق ذلك بمن يتقي اللّه حق تقاته . انتهى ، ملخصا . ولم يجعل اللّه للإنسان قلبين ، لأنه إما أن يفعل أحدهما مثل ما يفعل الآخر من أفعال القلوب ، فلا حاجة إلى أحدهما ، أو غيره ، فيؤدي إلى اتصاف الإنسان بكونه مريدا كارها عالما ظانا شاكا موقنا في حال واحدة . وذكر الجوف ، وإن كان المعلوم أن القلب لا يكون إلا بالجوف ، زيادة